بقلم الشاعر 🌛⭐🌜د. اسامه محمد زيدان🌛⭐🌜بين امواج البحر وظلال الشجر 🌛⭐🌜

" بين أمواج البحر وظلال الشجر "
كنا صغاراً نقتاتُ الفرح من بين أزقة المخيم الضيقة التي لا تتسع لشخصين، حيث لا شجر يظللنا ولا حدائق تزين ساحاتنا (التي لا وجود لها أصلاً). كان البحر هو ملاذنا الوحيد والفسحة المتاحة أمام أحلامنا الصغيرة، وبما أننا لم نكن نملك أجرة الحافلة، فقد كان "المشي" هو وسيلتنا الدائمة للوصول إليه.
كانت الطريق شاقة، خاصة حين نسلك "السوافي"؛ تلك التلال الرملية الصفراء التي تتحول تحت لهيب الشمس إلى جمرٍ يملأ الأحذية، بل ويخترق "الشباشب" الهزيلة التي نرتديها. وبينما نحن نسير، تلوح لنا من بعيد "المواصي"؛ وهي جنات خضراء مزروعة بشتى أنواع الخضار والفواكه، كانت بمثابة الواحة وسط الصحراء.
هنا أتوقف لأعترف اعترافاً يشاركني فيه أبناء جيلي جميعاً: لم يكن من الممكن أن نمرّ بهذه الخيرات مرور الكرام. كانت اليد تمتد بتلقائية لتلتقط خيارة طازجة، أو حبة جوافة فواحة، أو تفاحة نضرة.
صاحب الأرض (بطيبة): يا أولاد، كُلوا من خير الله، لكن إياكم والعبث بالزرع! خذوا ما يسد جوعكم وامضوا بسلام.
نحن (ببراءة مصطنعة): حاضر يا عمي، حبة واحدة فقط.
لكن في المقابل، كان هناك ملاك آخرون يطاردوننا بالعصي الغليظة. كنت أكرههم آنذاك، لكنني اليوم أدرك أنهم كانوا يحمون رزقهم من شقاوة صبية لا تنتهي.
المتنفس الآخر لنا كان الاتجاه شرقاً نحو الأراضي الزراعية بعيداً عن البحر. هناك، كانت تقف شجرة عملاقة شامخة تُسمى "شجرة الجميز"، تحمل ثماراً لا حصر لها تشبه التين في شكلها لكنها أصغر حجماً. في أحد الأيام، تسلقتُ الشجرة بمهارة القردة، وانهمكتُ في قطف الثمار والتهامها، ولم أسمع همسات أصدقائي المحذرة من الأسفل:
الأصدقاء (بصوت خافت ومذعور): انزل يا مجنون، صاحب الأرض وصل.. معه عصا خيزران.
نظرتُ للأسفل، فإذا بالرجل يقف كالصقر المتحفز، وعيناه تقدحان شرراً وهو يلوح بعصاه.
صاحب الأرض (صارخاً): انزل يا ابن (...)، والله لأربينّك اليوم.
أنا (متشبثاً بالأغصان): لن أنزل وأنت واقف هناك.. اذهب وسأطير من هنا.
وقف الرجل متربصاً تحت الشجرة كأنه يحاصر قلعة حصينة، وأنا فوق أرتجف كالعصفور. وفجأة، شق سكون التوتر صوتٌ رخيم من مئذنة قريبة: "الله أكبر.. الله أكبر". تأفف الرجل ونظر إلى ساعته ثم إليّ، وقال بلهجة الوعيد:
سأذهب للصلاة الآن، لكن ويلك إن عدتُ ووجدتك هنا.
ما إن أدار ظهره وتوجه نحو المصلى، حتى قفزتُ من الشجرة قفزة واحدة، وانطلقتُ في الأراضي كالسهم، وكانت ساقاي تسابقان الريح حتى اختفى أثر الشجرة والرجل خلفي تماماً.
د. أسامة محمد زيدان.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بقلم الشاعر ♨♨ بلشقر محمد ♨♨ الحاكم العربي♨♨

بقلم الشاعر 🌎 💢🌐 احمد الحسيني🌎💢🌐 جفانا 🌎💢🌐

بقلم الشاعر 🌛⭐🌜 رمضان عبد الباري 🌛⭐🌜 معاتبة مع النفس 🌛⭐🌜