بقلم الاديب 🌛⭐🌜 د. عزام عبدالحميد ابو زيد 🌛⭐🌜 خاطرة انسانية 🌛⭐🌜
خاطرة إنسانية .
في عام ١٩٨٤م ، كنت طالباً بالسنة الثانية بكلية الزراعة بشبين الكوم ، جامعة المنوفية ، ويوم الجمعة هو يوم الإجازة الوحيد في الأسبوع ، وذات يوم جمعة ، قابلني أحد أقراني في السن ، وقال لي : أريد منك أن تزورني كل يوم جُمعة ، وتعجبت من طلبه ، ولكن قلت في نفسي : أذهب لزيارته كل جُمعة ولن يكلفني ذلك إلا بعض الوقت أسيره علي قدماي .
ذهبت لزيارته في الجُمعة الأولي ، ووجدت أن حالته طيبة إلا أنه يفتقد الأنس بالناس ، يعاني من الوحشة ، فقد أباه وأمه ، ولا أخ كبير له، ويعول إخوته الصغار، و قررت في نفسي أن أزوره كل جُمعة إلا لضرورة تمنع ذلك .
واظبت علي زيارته وكنت أجد السعادة المرسومة علي وجهه في كل زيارة ، كنت أزوره بدافع إنساني ، كنت أجهل ثواب زيارة الأخ لأخيه بدون غرض ، وأنها سبب لمحبة الله ( عز وجل ) للزائر ، ومن يُحبه الله يُوفقه لطاعته ورضاه ، كنت مغمور في طاعة الله وأنا لا أدري ؛ روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَن النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : ( أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى ، فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ ( أي طريقه) مَلَكًا ، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ ، قَالَ : أَيْنَ تُرِيدُ ؟. قَالَ : أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ . قَالَ : هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا ؟.( أي هل بينكم منافع دنيوية تدعو للزيارة) قَالَ : لَا غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ ( عَزَّ وَجَلَّ ) . قَالَ : فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ ، بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ ) .
كنت أجهل أن إيناس الوحشان في الأرض عِبادة لها أجر عند الله ، وإيناس الوحشان ، يكون بالجلوس معه أينما كان ، والتحدث إليه بالقول الجميل الذي يكشف عنه غمه وهمه ، روى الإمام أحمد من حديث أبي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ قَالَ لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ الْمَعْرُوفِ فَقَالَ : ( لَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا ، وَلَوْ أَنْ تُعْطِيَ صِلَةَ الْحَبْلِ ، وَلَوْ أَنْ تُعْطِيَ شِسْعَ النَّعْلِ ، وَلَوْ أَنْ تَنْزِعَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ الْمُسْتَسْقِي ، وَلَوْ أَنْ تُنَحِّيَ الشَّيْءَ مِنْ طَرِيقِ النَّاسِ يُؤْذِيهِمْ ، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ وَوَجْهُكَ إِلَيْهِ مُنْطَلِقٌ ، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ فَتُسَلِّمَ عَلَيْهِ ، وَلَوْ أَنْ تُؤْنِسَ الْوُحْشَانَ فِي الْأَرْضِ وَإِنْ سَبَّكَ رَجُلٌ بِشَيْءٍ يَعْلَمُهُ فِيكَ وَأَنْتَ تَعْلَمُ فِيهِ نَحْوَهُ فَلَا تَسُبَّهُ ، فَيَكُونَ أَجْرُهُ لَكَ وَوِزْرُهُ عَلَيْهِ ، وَمَا سَرَّ أُذُنَكَ أَنْ تَسْمَعَهُ فَاعْمَلْ بِهِ ، وَمَا سَاءَ أُذُنَكَ أَنْ تَسْمَعَهُ فَاجْتَنِبْهُ ) .
ذات زيارة قال لي زميلي : أنا أخطب الجُمعة بمسجد كذا ، وأريد منك أن تخطب الجُمعة معي بالتبادل ، أنا أخطب جُمعة وأنت تخطب جُمعة ، وكانت المفاجأة : أنا لا أعرف عنه أنه يخطب الجُمعة ، ولا أنا خطبت الجُمعة من قبل ، وكانت البداية المباركة في طريق الدعوة إلي الله ، لا تحتقر من المعروف شيئاً يا عبد الله ، فلا شيء يضيع عند الله ، ولا تدري ببركة أي شيء يرزقك الله جل في علاه .
اللهم وفقنا لكل طاعة ، واصرف عنا كل معصية ، بجودك وكرمك يا أرحم الراحمين .
تعليقات
إرسال تعليق