بقلم الشاعر 🌛⭐🌜فتحي مصباحي🌛⭐🌜بوح بمشاعري🌛⭐🌜
أبوحُ بمشاعري كأبٍ يعيش بين الفخر و الحنين، سمّيتُ ابني محمدًا باسم والدي ليبقى عبقُه حيًّا في بيتنا و كلّما ناديته “ حمّة ” عاد إليّ صوت أبي و عاد معه الشوق، أفتخر به و هو يمضي طالبًا في الأكاديمية العسكرية قويًّا في عزيمته رقيقًا في قلبه، لكنّ غيابه عن مائدة رمضان يترك في صدري فراغًا لا يملؤه إلا الدعاء. أخفي قلقي خلف ابتسامة حتى لا أُحزن أسرتي، غير أنّ قلبي يظلّ يسأل عنه في صمت و يتبعه بدعوات الحفظ و الرعاية. هو و إن غاب عن عينيّ، مقيمٌ في قلبي قريبٌ من نبضي لا تفصلني عنه المسافات بل تجمعني به المحبة و الدعاء.
« حمّة ابني المقيم في الدعاء »
إبني محمدٌ سَمَّيتُهُ باسمِ والدي
كي يظلَّ في البيتِ عِطرُ الراحلينْ
و أناديهِ: حمّة كما كنتُ أُنادِي أبي
فيعبرُ الحنينُ بين جيلين و يعودُ الحنينْ
هو اليومَ طالبٌ بالأكاديميّةِ العسكريّةِ
يمضي صلبًا كالسيفِ إذا استُلَّ للحقّ
و في صدرهِ قلبٌ رقيق ليّنٌ كالياسمينْ
يمثّلُ إخوتَهُ في الغيابِ حضورًا
و يحملُ اسمَنا كما يحملُ الجنديُّ علمَهُ
نجتمعُ في ليالي رمضان المبارك
حولَ مائدةِ الإفطار و تتعانقُ الأطباقُ
و الكراسي عامرةٌ بالضحكاتِ
غير أنّ مقعدًا واحدًا يجلسُ فيهِ الغياب
أنظرُ إلى موضعهِ الخالي
فتمتلئُ عينيّ به و يمتلئُ صدري سؤالًا
و يمتلئُ الطبقُ صمتًا حزين
لا أستسيغُ ما آكلُ و لا أتلذّذُ بطعمٍ
و قد غابَ عن يميني نورُ السنينْ
أسألُ بصمتٍ: هل أكلَ ولدي؟
هل وجدَ في لقمتِه دفءَ أمِّه الحنونْ؟
هل يكفيهِ ما معهُ من مصروفٍ؟
أم يخبّئُ حاجتَهُ كي لا يُثقِلَ قلبَ أبيه؟
أبتسمُ كي لا أُكدّرَ صفو الأسرة و أضحكُ
و أُخفي وجعي خلفَ كلماتٍ ملؤها السكونْ
غيرَ أنَّ قلبي يقرأُ ما وراءَ الصمتِ همسًا
و يُبصرُ في عتمتي ما لا تُبصرهُ العيونْ
و يُدركُ أنّ بين أضلُعي سرًّا مُعلَّقًا إلى السّماءِ
دعاءً يعرجُ خفيًّا فلا يلتقطُ أنينهُ سوى ربِّ الكونْ
و حين يأويني الفراش يهربُ النوم من جفوني
كأنّهُ يعرفُ أنّ هناكَ اسمًا ينبضُ في الوسادة
أقلّبُ الليلَ و أقلّبُ صورتهُ في صدري
فأراهُ غائبًا عن يدي حاضرًا في صدري
يا ربّ إن كان بيني و بين إبني محمدًا مسافةُ طريق
فاجعل بينهُ و بين الأذى ألفَ سورٍ من رحمتك
و احمهُ برعايتكَ من كلِّ سوءٍ و فتونْ
و ألبِسهُ يا ربِّ من لطفِكَ جِلْبابًا لا تخرقُهُ العيونْ
و اجعلْ عليهِ من عنايتِكَ ظلًّا إذا ادلهمَّتِ الظنونْ
و نقِّ دربَهُ من كلِّ قلبٍ يُعتمُ الروحَ و يُوهنُ اليقينْ
و اكتبْ لهُ رفقةً صالحةً تُزهرُ في خُطاهُ كالياسمينْ
تشدُّ على يدهِ كما كنتُ أشدُّها صغيرًا
فإن غابَ عن مائدتي فهو في قلبي مقيمٌ
فإذا عادَ في العُطلةِ أشرقتْ بعودتِهِ الديارْ
و تنفّسَ البيتُ فرحًا بعد طولِ انتظارْ
تضحكُ الجدرانُ و يركضُ في الممرّاتِ صوتهُ
كأنَّ الفرحَ عادَ طفلًا يملأُ البيتَ ازدهارْ
نجلسُ حولهُ فتغدو اللحظاتُ حدائقَ أُنسٍ
و يذوبُ الحزنُ من صدري كما يذوبُ الجليدُ في النهارْ
و أقولُ في سرّي: الحمدُ للهِ على عودتِهِ سالمًا
فبابتسامتهِ يرحلُ التعبُ و ينطفئُ التفكيرُ و الانتظارْ
و إذا همَّ بالرجوعِ عادتِ الطرقاتُ طويلةً في عينيَّ
و عادَ قلبي يخبّئُ الدعاءَ بين الضلوعْ
أضمُّهُ كأنّي أودعُ قطعةً من روحي
و أقولُ: امضِ يا بُنيَّ فاللهُ خيرُ الحافظينْ
يبقى صوتُهُ في البيتِ بعد رحيلِه
مثلَ عطرٍ عالقٍ في هواءِ الياسمينْ
و أبقى أنا أبًا يملأُ الليلَ دعاءً
و قلبًا يقيمُ فيهِ “حمّة ” ابني بين نبضٍ و حنينْ.
و إن بَعُدَتْ خُطاهُ فهو في دعائي أقربُ من نبضي
تعليقات
إرسال تعليق